السياسية

الحكم في موريتانيا بممانعة الزوجة زوجها اذا كان مصابا بمرض السيدا

الفتوى رقم: 193/ 2015م: في حكم ممانعة الزوجة زوجها بعد تبين إصابته بمرض السيدا

السؤال: زوجان ما يزالان في طور الشباب ولا أطفال لهما، كانا في ألفة ووفاق حتى أكدت لهما الفحوص الطبية في المركز المتخصص إصابة الزوج بمرض “نقص المناعة” [السيدا] وسلامة الزوجة منه، فبادرت فور ذلك بوداعه ووداع ذويه والرجوع بموافقته إلى بيت أهلها والإقامة معهم، ولكنه عاد فطالبها بالعودة إلى بيت الزوجية فامتنعت لشدة خوفها من ذلك المرض؛ نسأل في هذه الحالة:

– هل الشرع يمنع لها العودة إلى بيت الزوجية لما في ذلك من الخطر عليها؟
– أم هل هي مُجبَرة شرعا على العودة؟
– أم هي في هذه الحالة مخيرة، لها أن تختار ما شاءت من فراقه أو البقاء معه؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه؛
و بعد: فإن الله تبارك وتعالى شرع النكاح لمقاصد من أهمها:
بقاء النوع الإنساني، وإفشاء المودة والرحمة بين الزوجين وذويهما، وإشباع الرغبة الجنسية دون حرج أو عنتٍ…
وجعل هذا النكاح رباطا وثيقا وميثاقا غليظا قال تعالي : [وأخذن منكم ميثاقا غليظا]، فبعقده يكون ملزما للطرفين ولا يحق لأي منهما الرجوع عنه أو فسخه في الحالة العادية، غير أن الشارع الحكيم علم أنه قد يكون في أحد الزوجين ما يمنع تحقيق مقصود النكاح، كما قد يكون في أحدهما بعض العيوب التي توجب النفرة والابتعاد عن المعاشرة الزوجية، أولا يمكن للآخر المقام معها إلا بضرر فاحش، فشرع الخيار بالعيوب الزوجية، ولئن كان بعض أهل العلم أثبت الخيار بعيوب محدودة فإن هناك من لم ير حصرها في عيوب معينة.
وممن ذهب إلي ذلك الإمام الزهري وابن المسيب حيث قال بالخيار في كل عيب مضر بالطرف السليم، فقد قال مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: بَلَغنِي عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرَ فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ . وقال قتادة تخير في كل داء عضال .
وممن قال بعدم حصر العيوب ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما. 
قال ابن القيم: والقياس: أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا مغبونا بما غُرّ به وغبن به، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة . 
فضابطها على هذا الرأي: أن يحصل الضرر الفاحش بالإقامة معها أو تكون منفرة بحيث تمنع تمام الاستمتاع.
وضمن هذا الضابط يندرج ما يسمي بالسيدا: مرض نقص المناعة المكتسب الذي لم يكن معروفا فيما مضى، وقد تم اكتشافه في أواخر القرن الماضي، وهو من أخطر الأمراض وأشدها فتكا بالناس، ومع ذلك فهو من الأمراض المنفرة من المعاشرة الزوجية.
وإذا كان الفقهاء أثبتوا الخيار بالجذام ونحوه مما يمنع حصول تمام الاستمتاع، وعللوا ثبوت الخيار بدفع الضرر عن السليم، وذكر بعضهم أن العيوب المنصوص عليها ليست للحصر، وإنما هي للتمثيل فإنه يلحق بها كل ما كان في معناها أو زاد عليها، مما لا يحصل معه مقصود النكاح من تمام الاستمتاع، ودوام الرحمة والمودة، أو ما هو مُعْد من الأمراض المعدية الفتاكة بالبشرية وخصوصا إذا كانت تسري إلي النسل ولا علاج لها كما هو الحال في هذه النازلة.
ولا شك أن مرض السِيدا من الضرر البين، بل هو أخطر وقد أثبت الطب الحديث خطورة مرض السيدا وأنه مرض معد وقاتل. ومن المعلوم أن رفع الضرر وإزالته من أولويات الشرع ومقاصده ، وفي صحيح مسلم: “لا يورد ممرض على مصح” .
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 90/7/9 أن للسليم من أحد الزوجين الحق في طلب الفرقة من الزوج المصاب بمرض السيدا لأنه من الأمراض المعدية، وعدواه تنتقل بصورة رئيسية عن طريق الاتصال الجنسي .
وبناء علي ما سبق فإن المجلس الأعلى للفتوى والمظالم يفتي بثبوت الخيار للزوجة في هذه النازلة لتواتر الأطباء على ثبوت الضرر بهذا الداء مباشرة بالنسبة للزوجة، وبالسراية إلى النسل، ولأنه يوجب النفرة من الاقتراب والمعاشرة الزوجية، والضرر يزال كما قال أهل العلم، بل جعلوا ذلك قاعدة متفق عليها، قال سيدي عبد الله العلوي في مراقي السعود:
قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر 
ومستندهم في ذلك قوله صلي الله عليه وسلم:”لا ضرر ولا ضرار”.

والله الموفق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى