السياسية

صورة وهوية الفتاة الموريتانية التي كسرت التقاليد

إنها الثلاثينية الشجاعة سعداني بنت اعبيدنا التي قررت كسر تقاليد مجتمعها ودخلت إلى الحرف المقتصرة على الرجال: سعداني تدير بنفسها ورشة لميكانيكا إصلاح السيارات بمدينة نواذيبو شمال موريتانيا.

لفتت الأنظار وهي ترتدي بزة الميكانيكي المحترف، وقد علتها أوساخ زيوت السيارات؛ ترتدي قفازاتها وتصلح هنا وهناك السيارات التي تتوافد على مرآبها: لقد اكتشف أصحاب السيارات أن الشابة الميكانيكية سعداني متقنة لفن الإصلاح ومستقيمة في تعاملها.
سعداني اعبيدنا متزوجة وأم لثلاثة أطفال وهي حاصلة على شهادة فني عالي في صيانة السيارات وتخصصها هو إصلاح المحركات.
وقد تلقت سعداني عدة دورات تدريبية في ورشات كبرى لزيادة خبرتها وكفاءاتها ولتزيد من حظها في ولوج عالم التشغيل.
ورغم ما حازته من خبرة مؤكدة، فلم تجد من يوظفها لكونها امرأة ولأنها تتقدم لحرفة مقتصرة في أذهان الجميع على الرجال، لما تتطلبه من قوة بدنية ومن تحمل كبير للمشاق يعجز عنه أقوى الرجال.
لكن الشابة الطموحة لم ترضخ لهذه العراقيل، فقررت أن تشتغل لنفسها فافتتحت ورشة للميكانيكا لكسب قوتها.
واختارت سعداني مجالا لا يصدق أحد إلا أنه مجال خاص بالرجال بل بالأقوياء منهم: فإصلاح المحرك يتطلب حمله ووضعه على طاولة الإصلاح بل وتحريكه يمنة ويسرة، وفتح اللوالب وقياس القطع وتحديد مواقع تثبيتها وغير ذلك مما يستلزم الجهد والخبرة.
وتواجه الموريتانيات اللائي يسعين لممارسة نشاط بدني أو للدخول لمهن مقتصرة على الرجال، السخرية والوصم بالعار: فالمرأة في المخيلة الموريتانية كيان لطيف وضعيف يجب أن تبقى مصانة في المنزل، ولا يسمح بها ببذل جهد بدني إلا في مجال الماكياج والزينة، أما حمل الأثقال وممارسة المهن القاسية، فتلك أمور تذم المرأة إذا مارستها، بل توصف بأنها «امرأة متروجلة» أي فيها الرجولة أكبر من الأنوثة.
لم تخضع سعداني لتلك الضغوط واستطاعت أن تكسر الحاجز فباعت حليها وممتلكاتها واشترت تجهيزات لورشتها.
وقد زادت مثل هذه المبادرات، الحصة النسوية في اليد العاملة النشطة في موريتانيا حيث ارتفع معدلها من 29.5 في المئة عام 2010 إلى 31.5 في المئة عام 2020. ورغم هذه الزيادة الطفيفة فإن أكثر من 50 في المئة من نساء موريتانيا النشطات يعانين من البطالة ويبحثن عن شغل. وتؤكد إحصائية لوزارة التشغيل الموريتانية أن معدل تشغيل النساء لا يتجاوز 27.22 في المئة بينما وصل معدل تشغيل الرجال عام 2017 إلى 59.71 في المئة.
وحسب آخر مؤشرات للجنس في موريتانيا منشورة عام 2014 فإن نسبة اللائي يتولين مواقع قيادية في القطاع الخاص الموريتاني لا يتجاوز 4.5 في المئة في كافة المؤسسات والمقاولات الخصوصية المحلية.
وبهذا يظل مطلب المساواة بين الرجال والرجال في المناصب القيادية هدفا يجب تحقيقه.
ويعمل مختبر الإسراع التابع لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية على استكشاف فرص لزيادة المبادرات النسوية في مجال خلق النشاطات المدرة للدخل كمبادرة الشابة سعداني التي حققت اخترقا كبيرا لمجال مغلق وفتحت أبواب أمل أمام النساء المحترفات، بل إنها شكلت نافذة يمكن أن تحدث عبرها تغييرات لصالح تموقع جديد للمرأة في مجال الأعمال.
وقد وجهت اعبيدنا نداءات لأخواتها في موريتانيا بل وفي أفريقيا «أدعو من منكن تسعى لتنفيذ مشاريع خاصة أن تتقدم وأن تترك الخوف جانبا، وألا تردها العراقيل وألا تثنيها المثبطات الكثيرة فقد آن الأوان لنسائنا، ليكن مستقلات ماليا وليصبحن مسيرات لشركاتهن ومقاولاتهن».
وأضافت «عليكن أولا، التوجه للدارسة والتكوين والتدريب: فلن تنال المرأة مرادها، بالاعتماد على أنوثتها فقط، بل بالاعتماد على المعرفة والإتقان وبالقناعة بدورها الحيوي كمنتجة لا مجرد دمية أو سلعة للاستمتاع».

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى