مقالات

الباكالوريا بين ثالوث “الجنون والغش والتسريب”

لقد شكل الخوف من الرسوب ورهاب الفشل  ثنائياً مرعباً ظل يُطارد  طلبة الباكالوريا من مختلف الشعب في ثمانينيات القرن الماضي؛ وفي كل مراحل السنة الدراسية؛ الأمر الذي دفعهم لبذل جهود مضنية؛ جعلت البعض يمتلك مهارات خارقة.

عباقرة لدرجة الجنون:

في بيوت متهالكة وعلى أفرشة متواضعة؛ يسكن تلامذة الأقسام النهائية؛ فوضعهم الصعب جعل جميع ساكنة الأحياء يتعاطفون معهم؛ لكن ذلك لم يمنعهم من التحصيل؛ فقد استطاعوا  بهمهم العالية أن يحصلوا على برامج الأقسام النهائية من التعليم الثانوي بفرنسا والعراق وتونس والمغرب. فلاحديث لهم سوى عن سلاسل الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية ومنهجية تحليل النصوص الأدبية والإشكاليات المستعصية التي تثيرها أسئلة الفلاسفة.

عادة يبدأ التحضير للباكلوريا سنةً قبل امتحانها؛ يجوب الطلبة خلالها المراكز الثقافية( المصري والعراقي والمغربي والفرنسي )؛ ويبعثون برسائل عبر صناديق البريد إلى زملاء  أوأقارب في شتى بقاع العالم؛ بحثاعن تمارين في المواد العلمبة والأدبية المختلفة. الأساتذة بدورهم متفانون في تقديم خدماتهم؛ فليس غريباً أن ترى أستاذاً في الشارع يجتمع حوله تلاميذته وهويستخدم الفحم  “لحموم”  لحل سلسلة من الجبر أو الهندسة أو الكيمياء على الحيطان؛ يُبادل طلابه الحديث ويفرح بتوصلهم لحل المسائل قبله؛ فاتحاً أمامهم باب منزله دون الحاجة لدفع مسبق.

رحلة التحضير للباكالوريا هذه لاتقتصر  على الدروس ونقاشها بعد الحصص الرسمية مع الأساتذة؛ بل تبدأ في غسق الليل تحت ضوء القناديل الزجاجية التي تُضاء باستخدام القطن والبنزين المعروف محلياً “ببطرن”..

في الجانب الآخر من هذا المشهد المشوب بالعمل الجاد ينتظر الأهالي في المدن والبوادي؛ وعلى أحر من الجمر؛ سماع خبر نجاح أبنائهم في المذياع عبر البلاغات الشعبية.

هذا العصف الذهني الذي يمتد طَوال السنة الدراسية جعل من تلامذة هذه المرحلة بمستوى طلبة باحثين؛ فقدرتهم على التحليل وحل الألغاز تُثبت أنهم تجاوزوا مرحلة الاستيعاب إلى طرح الأسئلة ..ومع ذلك لاتخلو قاعات امتحان البكالوريا من صدمات خارجة عن المألوف؛ فقد يُفاجأ المراقبون بجلوس أحد المترشحين فوق الطاولة ..أوبرفع أحدهم صوته مكرراً وجدتها …وجدتها بقهقهة عالية..على طريقة عباقرة الرياضيات.

تبدو الصورة بعد نتائج الباكلوريا في تلك المرحلة  مؤلمةً أكثر؛ حين ينتشر في شوارع المدن عباقرةُ يحاولون حل مسألة رياضية أو تحليل نصوص بخط غاية في الروعة على مكبات القمامة.

أدركت بعض السفارات الغربية أهمية الاستثمار في جيل بهذه العبقرية؛ فنظمت مسابقة سنوية لمترشحي الباكلوريا تخول للفائزين فيها  بعد النجاح في “الباك” الحصول على  منحة تعرف ب: “بورس فاك Bourse Face”  لفرنسا وألمانيا؛ لكن جيلاً من النافذين اختطف تلك المنحة لأبنائه الذين تحولوا لتجار للسيارات الأوروبية المستعملة؛ بعد فشلهم في متابعة دراستهم في جامعات للعباقرة فقط؛  لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في التعاطي مع الباكالوريا.

الغش وأساليب التحايل:

بعد التسعينيات من القرن الماضي أخذ التحضير لشهادة الباكالوريا منحى آخر تطورت خلاله أساليب الغش والتحايل.

فقد لجأ البعض للتقديم لها مع أحد الناجحين فيها في سنة ماضية لتكون أرقامهم متقاربةً؛ ما يُخول لهم الجلوس على طاولة واحدة أثناء الامتحان؛ ليتمكنوا من تبادل المعلومة بسهولة؛ وربما أوراق الإجابات.وقد تقمص طلاب في( ISS المعهد العالي العلمي)؛ و كلية الآداب شخصيات مترحشين ليمتحنون بدلهم، هذا الأمر انتبه له بعض المراقبين بمساعدة قوات الدرك الوطني التي أشرفت على تأمين سير الامتحان.

أخذ الغش في  امتحان الباكالوريا أساليب متنوعة تطورت بتطور التكنولوجيا؛ حيث لجأت مجموعة من البنات لوضع سماعات على أذانهن مدعين إصابتهم بالصداع؛ لكن العلاقة بين وضعية الرأس والكتابة على ورقة الإجابة جعلت بعض المراقبين يشكون في الأمر ؛ ليكشتفوا أن هناك من يملي الحلول على المترشحة من خارج قاعة الامتحانات.

ثمة أساليب أخرى استخدمها آخرون تمثلت في وضع الأجوبة في زواية معينة من المراحيض؛ يذهب المترشح إليها بعد ساعة ونصف على توزيع المواضيع…

تقنية توزيع الأدوار كانت من أهم التقنيات التي استخدمها المترشحون؛ الذين وزعوا حلولاً لمسائل وأجوبة لمواضيع بشكل دقيق ؛ فخطوات الحل توضع بحسب تموقعهم داخل القاعة؛ مع قيام بعضهم بحركات مقصودة؛  لتشتيت تركيز مراقبي  الامتحان.

وفي خطوات جريئة حاول البعض تقديم رشوة للمراقبين ولرؤساء اللجان؛ بينما استخدم آخرون نفوذهم لإقصاء الوجوه المعروفة بصرامتها. لكن انكشاف هذه الأساليب دفع البعض لتسريب مواضيع واحد من أكثر الامتحانات إثارةً للجدل في موريتانيا

مصداقيةُ في مهب التسريب:

في سابقة من نوعها في التاريخ سُربت مواضيع الباكالوريا في العام 2000 ؛ حين كان اسغير ولد امبارك وزيرا للتهذيب الوطني؛ قيل وقتها إن هذا التسريب كانت وراءه جهات نافذة؛ لكن المثير للاستغراب؛ هو أن الوزير الذي كان من المفروض ان يستقيل أويُقال تمت ترقيته ليصبح وزيرا أول ؛ ثم وسيطا للجمهورية؛ ومراقبا دوليا للانتخابات في إفريقيا؛ وهو أمر أو ضح أن مصداقية هذه الشهادة أصبحت فعلا في مهب تسريب نافذين أوسماسرة يشتغلون تحت حمايتهم.

كانت   2015 التي أعلنها نظام عزيز سنة للتعليم؛ سنةً لترسيب؛ مواضيع الباكلوريا؛ فقد سُربت فيها مادة الفيزياء؛ بشكل أربك الوزارة المعنية ومنظري الدعاية لإعلامية الذين حاولوا إقناع الرأي العام بأن كل مشاكل التعليم ستحل في ذلك العام.

لم يعد تسريب المواضيع أمرا مقلقا؛ فقد تكرر في العام 2019 ؛ وكثر الحديث في أوساط المترشحين عن تسريب المواد الرئيسية وبيعها لأصحاب الورقات وبعض المدارس الخاصة.   وقد اعتبر مهتمون  نشر موقع في الغابون لنتائج الباكلوريا مساسا خطيرا بمصداقية وسرية تلك المسابقة التي كانت قبل تسريب العام   2000 المسابقة الوحيدة في موريتانيا التي تحظى بمصداقية من قبل الرأي العام المحلي والدولي..

مالم يستطع المراقبون فهمه؛ هو استمرارية الوجوه ذاتها؛رغم تكرار فضائح التسريبات؛ فعدم استقالة مدير الامتحانات أوإقالته؛ طرح موضوع المصداقية من جديد على المحك؛ لاسيما وأنه أصدر تعميما بمنع الغش؛ الذي وثقه ناشطون بالصوت والصورة على مواقع التو اصل الاجتماعي؛ فاقرار العقوبة في حق مراقبين من طرف المدير ذاته وبأسلوب ولاة الأمصار في القرون الوسطى؛ هو أمر مثير للسخرية؛ باعتباره مجرد تكريس وإستمرار لنهج  الفضحية الذي سنه ولد امبارك منذ أكثر من عقدين من الزمن.

بواسطة
د. أمم ولد عبد الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى